الجاحظ
51
كتاب البغال
قالوا : ونفر بغل كان تحت محمد بن هارون ، أخي سهل بن هارون البليغ الكاتب الشاعر . قالوا : وإنما كان البغل ارتدّ فزعا ، فقطع من جوفه بعض العلائق ، فمات على ظهره ، في وسط مربّعة باب عثمان نهارا . وقد تصدم الدابّة الدابة ، فيموت الراكبان والمركوبان . وخبّرني سعيد بن أبي مالك أن غلاما كان لبعض أهل القطيعة ينيك بغلة لمولاه ؛ وأنها في بعض الأيام وقد أدعم فيها ، فاستزادته ، فتأخّرت وتأخّر ، حتى أسندته إلى زاوية من الإصطبل ، فضغطته حتى مات . ودخل بعض الغلمان لبعض الحوائج ، فرأى الباب عليهما مغلقا ، فنادى باسم الغلام فلم يجبه ؛ فقلع الباب ، فإذا الغلام مسند إلى الزاوية وقد مات ، وهي تضغطه ، فصاح فتنحّت وسقط الغلام ميّتا . ويقولون : إنها تفضح السائس الذي يكومها ، لأنها تتلمّظ إذا عاينته ، ولا تفعل ذلك بغيره ، فهي إمّا أن تقتل ، وإمّا أن تفضح . وأنشدوا لقيس بن يزيد ، في هجائه ابن أبي سبرة « 1 » حين رماه بنيك بغلته ، قال : نبئت بغلتك الّتي أتلدتها * لا تستقرّ لديك ما لم تسفد « 2 » تدنو بمؤخرها إليك إذا رأت * أن قد علوت لها جدار المذود قالوا : ولما أخذ فتيان من فتيان بني كليب الفرزدق ، وأتوه بأتان ، وقالوا : واللّه لتنزونّ عليها ، كما رميت عطيّة بن الخطفي ، أو لنقتلنّك ! قال : إن كان فهاتوا الصخرة التي كان يقوم عليها إذا ناكها ، حتى
--> ( 1 ) هو أبو نوفل الجارود بن أبي سبرة سالم بن سلمة الهذلي البصري . روى عن أبي ، وطلحة بن عبيد اللّه ، وأنس وروى عنه قتادة وثابت البناني . وكان من رجال الشيعة شاعرا خطيبا . ( 2 ) المتلد والتلاد : المال القديم من حيوان وغيره يورث عن الآباء . يقال تلد المال وأتلده هو .